الإيمان بجميع الأنبياء
الإيمان بالأنبياء ركن من أركان الإيمان. يصف الله المؤمنين فيقول: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ (البقرة 2:285).
ويعلّمنا أن نقول: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ (البقرة 2:136).
والمسلم الذي يجحد نبيًّا واحدًا يجحدهم جميعًا؛ لأن رسالتهم في جوهرها واحدة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء 21:25). وقال النبي ﷺ: «الأنبياء إخوة لعلّات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد» (البخاري ومسلم).
ويخبرنا القرآن كذلك أن الأنبياء أكثر بكثير ممن سمّاهم: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ النساء 4:164. وما من أمة إلا خلا فيها نذير فاطر 35:24.
الأنبياء الخمسة والعشرون المذكورون في القرآن
ذُكر في القرآن خمسة وعشرون نبيًّا بأسمائهم، منهم ثمانية عشر في موضع واحد من سورة الأنعام (الأنعام 6:83–86). وهؤلاء جميعًا:
- آدم – أبو البشر
- إدريس – ويُطابَق كثيرًا مع أخنوخ
- نوح – صاحب السفينة
- هود – أُرسل إلى قوم عاد
- صالح – أُرسل إلى قوم ثمود
- إبراهيم – خليل الله
- لوط – أُرسل إلى قومه
- إسماعيل – ابن إبراهيم
- إسحاق – ابن إبراهيم
- يعقوب – ابن إسحاق
- يوسف – ابن يعقوب
- أيوب – مثال الصبر
- شعيب – أُرسل إلى أهل مدين
- موسى – كليم الله
- هارون – أخو موسى
- ذو الكفل
- داود – آتاه الله الزبور
- سليمان – ابن داود
- إلياس – ويُسمّى أيضًا إيليا
- اليسع – ويُسمّى أيضًا أليشع
- يونس – ويُسمّى أيضًا يونان
- زكريا – أبو يحيى
- يحيى – ويُسمّى أيضًا يوحنا
- عيسى – ابن مريم
- محمد ﷺ
وفي بعضهم، كإدريس وذي الكفل، للعلماء أقوال مختلفة في تحديد المقصود بهم على وجه الدقة. غير أن ذلك لا يغيّر شيئًا من أننا نكرمهم كما أكرمهم القرآن.
أولو العزم من الرسل
ومن بين الرسل يخصّ القرآن بعضهم بالذكر. يقول الله لنبيه ﷺ: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (الأحقاف 46:35). وعلى القول المشهور عند العلماء، المقصود خمسة جمعهم الله في آية واحدة: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ (الأحزاب 33:7). وجمعهم مرة أخرى في قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ﴾ (الشورى 42:13). وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ﷺ: خمسة رجال تحمّلوا ما لا يكاد يُتصوَّر، ولم يستسلموا قط. وقد ميّزناهم في اللمحات التالية بعبارة «من أولي العزم».
الأنبياء الخمسة والعشرون، نبيًّا نبيًّا
تجد هنا لكل نبي: من كان، وبمَ ابتُلي، وموضعًا مفتاحيًّا من القرآن تستمع إليه، ودرسًا لحياتنا اليوم. وما سكت عنه القرآن نتركه كما هو، وحيث اختلف العلماء نقول ذلك.
1. آدم – الإنسان الأول
أعلن الله للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ البقرة 2:30. وعلّم آدم الأسماء كلها البقرة 2:31، وسجدت له الملائكة، إلا إبليس أبى واستكبر البقرة 2:34. وأكل آدم وزوجه من الشجرة التي نهاهما الله عنها. لكن القصة لا تنتهي بالخطأ، بل بالرجوع: ﴿فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة 2:37). وفي موضع آخر يذكر القرآن تلك الكلمات: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ الأعراف 7:23. لنا اليوم: الخطأ ليس نهاية قصتك. وأول دروس البشرية أن كل إنسان يستطيع أن يعود.
2. إدريس – الصدّيق المرفوع
لا يقصّ القرآن عن إدريس إلا قليلًا، لكن كل كلمة فيه تكريم: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ (مريم 19:56–57). ويعدّه في موضع آخر من الصابرين الأنبياء 21:85. ويطابقه كثير من العلماء مع أخنوخ الذي عاش بين آدم ونوح. وفي ليلة المعراج لقيه النبي ﷺ في السماء الرابعة (البخاري ومسلم). ولا يذكر القرآن تفاصيل ابتلائه، بل يذكر ما بقي في النهاية: الصدق والصبر. لنا اليوم: لا تحتاج إلى الشهرة لتعلو منزلتك عند الله. فالحياة الصادقة الصابرة رسالة في ذاتها.
3. نوح – صبر القرون (من أولي العزم)
دعا نوح قومه إلى الله ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ العنكبوت 29:14. وفي السورة التي تحمل اسمه يقول: ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾ (نوح 71:5)، سرًّا وجهرًا. ووعدهم: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾ نوح 71:10–11. فلم يؤمن معه إلا قليل. وبأمر الله صنع الفلك والناس يسخرون منه هود 11:37–38. وأشدّ اللحظات تأثيرًا حين ينادي ابنه بين الأمواج هود 11:42–43. لنا اليوم: مهمتنا الدعوة وفعل الخير، وأما النتيجة فبيد الله. فلا تيأس وإن قلّ من يسمع.
4. هود – التوكل في وجه القوة
أُرسل هود إلى قومه عاد الذين سكنوا الأحقاف الأحقاف 46:21، وعُرفوا بأبنيتهم الضخمة: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾ الفجر 89:7–8. فأطغتهم قوتهم: ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾، ونسوا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة فصلت 41:15. ووعدهم هود أن الاستغفار يزيدهم ﴿قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمْ﴾ هود 11:52. فلما هدّدوه أجابهم بطمأنينة: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ (هود 11:56). لنا اليوم: التقنية والمال والأبراج لا تُغني أحدًا عن الله. والقوة الحقيقية قلب يتوكل عليه.
5. صالح – آية الناقة
كان صالح من ثمود، القوم الذين نحتوا من الجبال بيوتًا الأعراف 7:74. فذكّرهم: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾ (هود 11:61). وجعل الله لهم الناقة آية، مع قاعدة بسيطة: ﴿لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ الشعراء 26:155. لكنهم كذّبوه، وانبعث أشقاهم فعقرها الشمس 91:12–14. وتحمل سورة الحِجر اسم ديارهم الحجر 15:80. لنا اليوم: يظهر الإيمان في طريقة قسمتنا للأشياء ومعاملتنا للضعيف، حتى الحيوان. والله ﴿قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾، فطريق العودة ليس بعيدًا أبدًا.
6. إبراهيم – خليل الله (من أولي العزم)
اتخذ الله إبراهيم ﴿خَلِيلًا﴾ النساء 4:125. ومنذ شبابه كان يبحث عن الحق: رأى كوكبًا، ثم القمر، ثم الشمس، فلما أفلت جميعًا قال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ الأنعام 6:74–79. وحطّم أصنام قومه ولم يترك إلا كبيرها لعلهم يتفكرون الأنبياء 21:51–67. فألقوه في النار، فقال الله: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ (الأنبياء 21:69). وإبراهيم أبو كثير من الأنبياء، وقد رفع مع إسماعيل قواعد الكعبة البقرة 2:127. والمزيد عن ذلك في فصل الحج والعمرة. لنا اليوم: ابحث عن الحق بعقل منفتح، واثبت عليه وإن خالفك الناس. لقد وقف إبراهيم وحده، ومع ذلك كان ﴿أُمَّةً﴾ كما يقول القرآن النحل 16:120.
7. لوط – وحيدًا مع الحق
كان لوط من أوائل من آمنوا بإبراهيم، وهو ابن أخيه في الروايات: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ۘ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّي﴾ (العنكبوت 29:26). وأرسله الله إلى قوم يأتون الفاحشة علنًا، ويقطعون السبيل، ويأتون في ناديهم المنكر العنكبوت 29:28–29. ووقف لوط شبه وحيد، حتى امرأته لم تكن معه التحريم 66:10. وفي شدّته قال: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ هود 11:80. وقال النبي ﷺ: «يرحم الله لوطًا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد»، يعني الله تعالى (البخاري ومسلم). لنا اليوم: من يفعل الصواب قد يكون أحيانًا في القلّة. وركنك الشديد ليس الأكثرية، بل الله.
8. إسماعيل – صادق الوعد
إسماعيل هو بكر إبراهيم من هاجر. وحين كان رضيعًا تركه أبوه مع أمه بأمر الله في وادٍ غير ذي زرع عند البيت المحرّم إبراهيم 14:37. وسعت هاجر بين الصفا والمروة تطلب الماء حتى نبعت زمزم (البخاري). ولما رأى إبراهيم في المنام أنه يذبح ابنه، قال الابن: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ الصافات 37:102، وهو إسماعيل على قول أكثر العلماء. ورفع مع أبيه قواعد البيت البقرة 2:127، ومن ذريته جاء النبي محمد ﷺ (مسلم). ويثني الله عليه: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا﴾ (مريم 19:54). لنا اليوم: أوفِ بوعدك؛ فهو أول ما ذكره الله حين وصف إسماعيل.
9. إسحاق – الفرحة المتأخرة
جاء إسحاق جوابًا لانتظار طويل. فقد نزلت الملائكة ضيوفًا على إبراهيم وبشّروا امرأته: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ (هود 11:71). فتعجّبت: ﴿يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ هود 11:72. ووصف الله إسحاق بأنه ﴿نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ الصافات 37:112، ومن نسله جاء كثير من أنبياء بني إسرائيل. وقال إبراهيم حين بُشّر به: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ الحجر 15:56. لنا اليوم: ليس في عطاء الله «فات الأوان». والرجاء جزء من الإيمان.
10. يعقوب – صبر الأب
يعقوب بن إسحاق، ويُسمّى أيضًا إسرائيل، ومن أبنائه كانت أسباط بني إسرائيل. وكان ابتلاؤه الأكبر فقد يوسف ثم أخيه من بعده. فلم يقل إلا: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ (يوسف 12:18، 12:83)، و: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ يوسف 12:86. وحتى في أشد ألمه نهى أبناءه عن اليأس: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ﴾ يوسف 12:87. وعند موته سألهم: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا﴾ (البقرة 2:133). لنا اليوم: الحزن والصبر لا يتنافيان. وأجمل ميراث تتركه لأبنائك إيمانهم.
11. يوسف – أحسن القصص
تروي سورة كاملة حياته، ويسمّيها الله ﴿أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ يوسف 12:3. غلام يرى في منامه أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر (يوسف 12:4). يلقيه إخوته حسدًا في الجبّ، ويُباع عبدًا، ويعتصم من الفتنة، ويُسجن ظلمًا، ثم يصبح في النهاية على خزائن مصر. وحين يقف إخوته أمامه في سنوات القحط يعفو عنهم: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يوسف 12:92. اقرأها معنا في سورة يوسف. لنا اليوم: العفو عند المقدرة هو العظمة الحقيقية. وقد يكون أظلم جبّ بداية طريق.
12. أيوب – الصابر
تذكر الروايات أن أيوب كان رجلًا شاكرًا ذا مال وأهل كثير، ثم ابتلاه الله بمرض شديد وفقد المال والأهل. فلم يشكُ من الله، بل شكا إلى الله، بدعاء مليء بالأدب: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (الأنبياء 21:83). فاستجاب الله له، وكشف ما به من ضرّ، وآتاه أهله ومثلهم معهم الأنبياء 21:84. وقال له: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ ص 38:42. وأثنى عليه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ص 38:44. لنا اليوم: في المرض والفقد يجوز لك أن تبثّ ألمك إلى الله. فالصبر ليس الصمت، بل ألا تعرض عنه.
13. شعيب – الأمانة في التجارة
أُرسل شعيب إلى أهل مدين، وكانوا يُطفّفون في الكيل والميزان. فدعاهم إلى الإيمان والعدل: ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ هود 11:85. فسخروا منه: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ هود 11:87. وجوابه من أجمل ما قاله مصلح: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (هود 11:88). أما الشيخ الكبير في مدين الذي آوى موسى القصص 28:23–28، فقد اختلف العلماء: هل هو شعيب أم غيره. لنا اليوم: الأمانة في التجارة عبادة. والإيمان لا ينتهي عند باب المسجد، بل يظهر عند الصندوق وفي العقد.
14. موسى – كليم الله (من أولي العزم)
موسى هو أكثر الأنبياء ذكرًا في القرآن. وهو رضيع أُلقي في اليمّ بوحي من الله إلى أمه القصص 28:7، فنشأ في قصر فرعون نفسه. وحين فرّ إلى مدين دعا: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ القصص 28:24. وعند النار المشتعلة كلّمه الله طه 20:9–14. فسأل موسى: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ (طه 20:25–26)، فجعل الله له أخاه هارون وزيرًا. وحتى مع فرعون أُمرا أن يقولا له ﴿قَوْلًا لَّيِّنًا﴾ طه 20:44. ثم تأتي قصة السحرة الذين آمنوا بالله، والنجاة عبر البحر، وفتنة العجل طه 20:9–98. لنا اليوم: اسأل الله أن يشرح صدرك قبل أن تُقدم على مهمة كبيرة، وتكلّم بلين حتى مع خصومك.
15. هارون – الأخ الوفيّ
هارون أخو موسى ووزيره. وقد سأل موسى ربه فيه: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ (القصص 28:34)، فاستجاب الله له طه 20:29–36. وجاءت أصعب ساعاته حين كان موسى على الجبل وعبد القوم العجل. فنصحهم هارون طه 20:90، لكنهم لم يسمعوا له. ولما رجع موسى غضبان أجابه هارون برفق: ﴿يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ طه 20:94. وقال النبي ﷺ لعلي: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي» (البخاري ومسلم). لنا اليوم: ليس على كل أحد أن يقف في المقدمة. فمن يسند غيره ويصدّقه ويجمع الكلمة فمنزلته عند الله رفيعة كذلك.
16. ذو الكفل – الوفاء الصامت
ذُكر ذو الكفل في القرآن مرتين، وفي كلتيهما في أكرم صحبة: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ﴾ (الأنبياء 21:85)، و: ﴿وَكُلٌّ مِّنَ الْأَخْيَارِ﴾ ص 38:48. ولا يحدّد القرآن من هو. فكثير من العلماء يعدّونه من الأنبياء، وعلى ذلك القائمة المشهورة للخمسة والعشرين، ورأى آخرون أنه رجل صالح أو قاضٍ عادل، وطابقه بعضهم مع حزقيال. ومن معاني اسمه «صاحب النصيب» أو «صاحب الكفالة»، وفي كتب التفسير أنه تكفّل بأمر فوفّى به. لنا اليوم: الله يرى الوفاء الصامت. وكثيرًا ما يكون من لا يلتفت إليهم الناس هم الذين يسمّيهم الله ﴿الْأَخْيَارِ﴾.
17. داود – الملك والمسبِّح والصانع
قتل داود في شبابه جالوت الجبّار، وآتاه الله ﴿الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾ البقرة 2:251، وآتاه الزبور النساء 4:163. وكان إذا سبّح سبّحت معه الجبال والطير، وألان الله له الحديد ليصنع الدروع السابغات سبأ 34:10–11. وكان ابتلاؤه الملك نفسه وواجب الحكم بالعدل: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ﴾ (ص 38:26). ولما ظنّ أنه فُتن استغفر ربه وخرّ راكعًا وأناب ص 38:24. وأخبر النبي ﷺ أن داود كان يأكل من عمل يده (البخاري)، وأن أحبّ الصيام إلى الله صيام داود: كان يصوم يومًا ويفطر يومًا (البخاري ومسلم). لنا اليوم: النجاح والموهبة مسؤولية. فاعدل وإن كانت بيدك القوة، ولا تستحِ من عمل شريف أبدًا.
18. سليمان – الشكر على العرش
ورث سليمان داود في النبوة والملك النمل 27:16. وعلّمه الله منطق الطير، وسخّر له الريح الأنبياء 21:81، واستجاب دعاءه بملك لا ينبغي لأحد من بعده ص 38:35–36. ومع ذلك فأجمل لحظة في قصته لحظة صغيرة جدًّا: نملة تحذّر قومها لئلا يحطمهم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون، فيتبسّم ضاحكًا من قولها ويدعو: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ﴾ (النمل 27:18–19). ولما جيء إليه بعرش ملكة سبأ قال: ﴿هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ النمل 27:40. لنا اليوم: النعمة ابتلاء أيضًا. ومن أُعطي كثيرًا فعليه شكر كثير، ولا يغفل عن أصغر الخلق.
19. إلياس – في وجه أصنام زمانه
﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ الصافات 37:123. عاش بين قوم يعبدون صنمًا اسمه بعل، فسألهم: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ (الصافات 37:125–126). فكذّبوه الصافات 37:127. لكن الله أبقى ذكره كريمًا: ﴿سَلَامٌ عَلَىٰ إِلْ يَاسِينَ﴾ الصافات 37:130. ويُطابَق عادة مع إيليا. لنا اليوم: في زماننا أصنام أيضًا: المال والجاه وآراء الناس. وسؤال إلياس موجَّه إلينا: لماذا نترك أحسن الخالقين لما هو دونه؟
20. اليسع – الخليفة الأمين
ذُكر اليسع مرتين: بين الأنبياء الذين ﴿فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ الأنعام 6:86، وبين ﴿الْأَخْيَارِ﴾ (ص 38:48). ويُطابَق عادة مع أليشع تلميذ إيليا، وفي الروايات أنه حمل رسالة إلياس في بني إسرائيل من بعده. ولا يقصّ القرآن تفاصيل حياته، وفي ذلك نفسه رسالة: ليست كل مهمة عظيمة صاخبة. لنا اليوم: أن تواصل بأمانة خيرًا بدأه غيرك شرف في ذاته عند الله.
21. يونس – النداء من الظلمات
خرج يونس من قومه مغاضبًا، فالتقمه الحوت. وفي الظلمات نادى: ﴿لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. ويقول الله: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأنبياء 21:87–88). وقد أخبر النبي ﷺ أنه لم يدعُ بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له (الترمذي). وقومه هم القوم الوحيدون الذين يخبر القرآن أن إيمانهم نفعهم في اللحظة الأخيرة: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ يونس 10:98. لنا اليوم: ما من ظلمة إلا والله يسمعك منها. ودعاء ذي النون تستطيع أن تدعو به اليوم.
22. زكريا – لا تتوقف عن الدعاء
كان زكريا نبيًّا شيخًا وكفيل مريم. ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا﴾، فتقول: ﴿هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ آل عمران 3:37. فاستيقظ في قلبه رجاء، ونادى ربه نداءً خفيًّا: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ (مريم 19:4). وكانت امرأته عاقرًا وهو شيخ كبير، فوهب الله لهما يحيى الأنبياء 21:89–90. لنا اليوم: لا تتوقف عن الدعاء وإن بدا الأمر مستحيلًا في حساب البشر. وتذكّر كل دعاء استجابه الله لك من قبل.
23. يحيى – القوة والحنان
يحيى بن زكريا، سمّاه الله باسم ﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا﴾ مريم 19:7. وأوتي الحكم صبيًّا: ﴿يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (مريم 19:12). ويصفه الله بقوله: ﴿وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً ۖ وَكَانَ تَقِيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ مريم 19:13–14. وجاء ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ آل عمران 3:39، وهي عيسى في قول أكثر العلماء، وفي ليلة المعراج لقي النبي ﷺ ابنَي الخالة معًا في السماء الثانية (البخاري). ويسلّم الله عليه: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ مريم 19:15. لنا اليوم: القوة واللين يجتمعان: ثبات في الدين ورقّة في القلب، ولا سيما مع الوالدين.
24. عيسى – المسيح ابن مريم (من أولي العزم)
يؤمن المسلمون أن مريم ولدت عيسى وهي عذراء، بكلمة من الله: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ آل عمران 3:45. وتكلّم وهو رضيع في المهد: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ (مريم 19:30)، و: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ مريم 19:32. وأبرأ الأكمه والأبرص وأحيا الموتى بإذن الله آل عمران 3:49. وعيسى في الإسلام من أعظم الرسل، وهو المسيح، لكنه بشر وعبد لله، لا إله ولا ابن إله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ آل عمران 3:59. ويؤمن المسلمون أنه لم يُقتل، بل رفعه الله إليه النساء 4:157–158، وتتحدث أحاديث كثيرة في البخاري ومسلم عن نزوله.
وهنا يفترق الإيمان الإسلامي عن الإيمان المسيحي. ومع ذلك فإن محبة عيسى ومريم تجمع المسلمين والمسيحيين، ويصف القرآن النصارى بأنهم ﴿أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً﴾ للذين آمنوا المائدة 5:82. اقرأ قصتهما في سورة مريم. لنا اليوم: أعلى الشرف أن تكون عبدًا لله. والمحبة المشتركة لعيسى ومريم قادرة على أن تقرّب بين المسلمين والمسيحيين.
25. محمد ﷺ – خاتم النبيين (من أولي العزم)
﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب 33:40). وبه اكتملت سلسلة الأنبياء. وقد شبّه نفسه باللبنة الأخيرة في بيت جميل بناه من قبله: «فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين» (البخاري ومسلم). نشأ يتيمًا الضحى 93:6، وأوذي في مكة وطورد، وفقد زوجه خديجة وعمّه أبا طالب، ورُدّ في الطائف. فلما عرض عليه ملك الجبال بعد ذلك أن يُهلك القوم قال: «بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا» (البخاري ومسلم). وأرسله الله ﴿رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ الأنبياء 21:107. ونروي سيرته بالتفصيل في فصل النبي محمد ﷺ. لنا اليوم: الرحمة أقوى من الانتقام. ومن أراد أن يتّبع النبي ﷺ فليبدأ بخُلقه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ القلم 68:4.
مكرَّمون وليسوا من الخمسة والعشرين: مريم ولقمان
يكرّم القرآن أيضًا أناسًا لا يُعدّون من الأنبياء الخمسة والعشرين، بل إن اثنين منهم سُمّيت باسمهما سورتان.
مريم – المصطفاة
مريم هي المرأة الوحيدة التي ذُكرت باسمها في القرآن، وتحمل سورة مريم (19) اسمها. قالت الملائكة: ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران 3:42). نشأت في العبادة في كفالة زكريا، وحملت أعظم ابتلائها وحدها تقريبًا: ولدًا بلا زوج، وألسنة الناس. وتحت النخلة، في المخاض، قالت: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا﴾، فنوديت: ﴿أَلَّا تَحْزَنِي ... وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ مريم 19:23–25. وقال النبي ﷺ: «خير نسائها مريم ابنة عمران، وخير نسائها خديجة» (البخاري ومسلم). وجمهور العلماء لا يعدّونها من الأنبياء، وذهب بعضهم كابن حزم والقرطبي إلى أنها نبيّة لأن الملائكة كلّمتها. ويتفق الجميع على أنها من أعظم نساء البشرية. لنا اليوم: حتى المصطفَون يتألمون. وعزاء الله كثيرًا ما يكون قريبًا جدًّا، قريبًا كنخلة.
لقمان – الحكيم
تحمل سورة لقمان (31) اسم لقمان الذي آتاه الله الحكمة: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ لقمان 31:12. واشتهرت وصاياه لابنه التي يبدؤها بالنداء الحاني «يا بُنيّ»: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لقمان 31:13)؛ وأقم الصلاة وأمر بالمعروف واصبر لقمان 31:17؛ ولا تمشِ في الأرض مرحًا، ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ لقمان 31:18–19. وجمهور العلماء على أنه رجل حكيم صالح وليس نبيًّا، وقال قلّة إنه نبي. لنا اليوم: الحكمة تنتقل في الأسرة بالمحبة لا بالقسوة.
وكذلك اختلفت الأقوال في العبد الصالح الذي لقيه موسى، وتسمّيه الأحاديث الخضر الكهف 18:65، وفي ذي القرنين الكهف 18:83. فالقرآن يقصّ خبرهما دون أن يعدّهما من الأنبياء أو ينفي ذلك، ونحن كذلك نترك المسألة على سعتها.
ما تعلّمنا إياه القصص
يقول الله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (يوسف 12:111). ويقول لنبيه ﷺ: ﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ هود 11:120. ومن هذه الدروس:
- الصبر: دعا نوح قرونًا، وصبر أيوب على المرض والفقد، وانتظر يعقوب ابنه. والصبر ليس جمودًا، بل هو ثقة تمضي إلى الأمام.
- التوكل على الله: ألقت أم موسى رضيعها في اليمّ، وبقيت هاجر في الوادي القفر، ووقف إبراهيم أمام النار. ومن يتوكل على الله فلن يكون وحده أبدًا.
- التوبة: أخطأ آدم وداود ويونس، ثم رجعوا. وباب الله مفتوح دائمًا.
- العفو: كان يوسف قادرًا على الانتقام، فعفا.
- الأمانة والعدل: دعا شعيب إلى إيفاء الكيل، وأُمر داود بالحكم بالحق.
- الشكر: أوتي سليمان كل شيء، وبقي شاكرًا، حتى أمام نملة.
- الأسرة: تكاد كل قصة تتحدث أيضًا عن آباء وأمهات وإخوة وأبناء، بكل ما فيهم من أفراح وآلام.
اقرأ القصص واستمع إليها معنا
أجمل طريقة للقاء الأنبياء هي القرآن نفسه. افتح إحدى هذه السور واستمع إليها آيةً آيةً، مع الترجمة والتفسير:
- سورة يوسف – قصة كاملة من البداية إلى النهاية.
- سورة مريم – زكريا ويحيى ومريم وعيسى وإبراهيم وإسماعيل وإدريس وأنبياء آخرون.
- سورة الأنبياء – كثير منهم تباعًا، من إبراهيم إلى يونس.
- سورة هود – نوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب.
- سورة نوح – دعوة نبي لقومه.
ولعلك تختار قصة واحدة كل أسبوع فتقرؤها مع أسرتك. لن ينساها الأطفال أبدًا.
الأسئلة الشائعة
كم عدد الأنبياء؟
سمّى القرآن 25 نبيًّا، وأخبر أن هناك غيرهم لم يقصصهم علينا (النساء 4:164). وما من أمة إلا خلا فيها نذير (فاطر 35:24). ولا يذكر القرآن عددًا محددًا لهم جميعًا.
ما الفرق بين النبي والرسول؟
يوضح كثير من العلماء أن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا: فالرسول يأتي برسالة أو كتاب إلى قوم لم يكن لديهم ذلك من قبل. وفي التفريق الدقيق بينهما أقوال مختلفة.
هل يؤمن المسلمون بعيسى؟
نعم. عيسى من أعظم الرسل، وهو المسيح، وُلد من مريم العذراء. غير أن المسلمين يؤمنون أنه بشر وعبد لله، لا إله ولا ابن إله (آل عمران 3:59، مريم 19:30).
مَن هم أولو العزم؟
هم «أولو العزم من الرسل» (الأحقاف 46:35). وعلى القول المشهور: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد ﷺ، وقد ذُكروا معًا في سورة الأحزاب (33:7) وسورة الشورى (42:13).
هل كانت مريم نبيّة؟ وهل كان لقمان نبيًّا؟
جمهور العلماء لا يعدّون أيًّا منهما من الأنبياء. وذهب بعضهم كابن حزم والقرطبي إلى أن مريم نبيّة، وقالت قلّة إن لقمان نبي. والمتفق عليه أن القرآن أكرمهما، وسُمّيت باسم كل منهما سورة (مريم 19، ولقمان 31).
لماذا يُسمّى محمد ﷺ «خاتم النبيين»؟
لأن سلسلة الأنبياء اكتملت به (الأحزاب 33:40)، فلا نبي بعده.
المصادر
- القرآن الكريم 2:30–37، 2:127، 2:133، 2:136، 2:251، 2:285، 3:37–59، 4:125، 4:157–158، 4:163–164، 5:82، 6:74–86، 7:23، 7:73–74، 10:98، 11:25–95، 11:120، 12:3–111، 14:37، 15:56، 15:80، 16:120، 18:65، 18:83، 19:1–57، 20:9–98، 21:25، 21:51–90، 21:107، 26:155، 27:16–40، 28:7–34، 29:14، 29:26–29، 31:12–19، 33:7، 33:40، 34:10–11، 35:24، 37:99–130، 38:17–48، 41:15، 42:13، 46:21، 46:35، 66:10، 68:4، 89:6–8، 91:11–15، 93:6، سورة 71
- صحيح البخاري وصحيح مسلم – «الأنبياء إخوة»؛ مثل اللبنة الأخيرة؛ المعراج (إدريس في السماء الرابعة، ويحيى وعيسى في الثانية)؛ لوط والركن الشديد؛ منزلة هارون من موسى؛ صيام داود؛ ملك الجبال بعد الطائف؛ خير نسائها مريم وخديجة؛ أحاديث نزول عيسى
- صحيح البخاري – هاجر وزمزم؛ داود يأكل من عمل يده. صحيح مسلم – اصطفاء كنانة من ولد إسماعيل
- سنن الترمذي – دعاء يونس
- ابن كثير: قصص الأنبياء، وتفسير القرآن العظيم؛ القرطبي: الجامع لأحكام القرآن؛ ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل (في نبوة مريم)
تقدّم هذه الصفحات نظرة عامة. وللأسئلة الشرعية في حياتك اليومية، يُرجى سؤال عالم مؤهل من مذهبك.