فريضة مرة في العمر
قال النبي ﷺ إن الإسلام بُني على خمس: شهادة التوحيد، والصلاة، والزكاة، وصوم رمضان، وحجّ البيت (البخاري ومسلم). ويقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ آل عمران 3:97. ويقول: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ البقرة 2:196.
وتأتي آية الفريضة في سياق أوسع: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ آل عمران 3:96–97. ثم تُختم بقوله: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. فالحج ليس خدمةً يحتاج إليها الله، بل هبةٌ منه للناس.
والحج فريضة مرة واحدة في العمر. فلمّا أخبر النبي ﷺ أن الله فرض الحج، سأله رجل: أفي كل عام؟ فكان جوابه في معناه: «لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم» (مسلم). فمن حجّ أكثر من ذلك فهو متطوّع.
ولم يحجّ النبي ﷺ بعد هجرته إلى المدينة إلا حجة واحدة: حجة الوداع في السنة العاشرة للهجرة، قبل وفاته بأشهر قليلة. واعتمر أربع عُمَر (البخاري ومسلم). وكثير مما نعرفه عن المناسك مأخوذ من أخبار هذه الحجة الواحدة، ولا سيما من الوصف المفصّل الذي رواه الصحابي جابر بن عبد الله رضي الله عنهما (مسلم 1218).
إبراهيم والكعبة
تبدأ قصة الحج قبل النبي محمد ﷺ بزمن طويل، مع إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام. يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ البقرة 2:127. وجعل الله البيت ﴿مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ وقال: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ البقرة 2:125.
ثم أمر الله إبراهيم: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ الحج 22:27. فكل حاج تهبط به الطائرة اليوم إنما يلبّي ذلك النداء القديم. وكثير من المناسك يذكّر بهذه الأسرة المباركة: فالسعي بين الصفا والمروة يذكّر بـهاجر أمّ إسماعيل عليهما السلام، التي سعت تبحث في لهفة عن الماء لرضيعها حتى أخرج الله عين زمزم، كما روى البخاري.
معنى الحج
الحج أكثر من رحلة؛ إنه مدرسة للقلب:
- المساواة: يلبس الرجال في الإحرام إزارًا ورداءً أبيضين بسيطين. فيقف الغني والفقير، والعربي والأعجمي، والوزير والعامل جنبًا إلى جنب، فلا يكاد يُميَّز بينهم.
- التسليم: يترك الحاج مدة من الزمن أمورًا مباحة في غير الإحرام – كالطيب، وقصّ الشعر، والجدال – فيتعلّم أن يُنحّي هوى نفسه جانبًا.
- التضحية: يذكّر الهدي باستعداد إبراهيم عليه السلام لأن يبذل كل شيء لله. ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾ الحج 22:37.
- الذكر: الحج من أوله إلى آخره ذكر لله: التلبية، والأدعية، وذكر الله بعرفة ومزدلفة ومنى (البقرة 2:198، 2:203).
يقول الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ... وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ﴾ البقرة 2:197. وقال النبي ﷺ: «من حجّ فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمّه» (البخاري ومسلم). وقال: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» (البخاري ومسلم).
تمهيد لليوم العظيم
رأى علماء كالغزالي في الحج صورةً من يوم القيامة. فثياب الإحرام البيضاء البسيطة تذكّر بالكفن الذي يغادر فيه كل إنسان هذه الدنيا. والوقوف بعرفة – ملايين البشر تحت السماء المكشوفة، بلا رتب ولا ألقاب، ولكلٍّ همومه وآماله – يذكّر باليوم الذي يُجمع فيه الناس جميعًا بين يدي ربهم. ومن وقف هناك عرف بعدها على نحو أوضح ما الذي يستحق أن يُعاش له.
خطبة الوداع
في يوم عرفة خطب النبي ﷺ خطبته المشهورة، وقال فيها: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا»، وأوصى الرجال بأن يتقوا الله في النساء (مسلم). وفي رواية أخرى: «يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد … ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي … إلا بالتقوى» (أحمد). فالحج ليس عبادة فحسب، بل تذكير بكرامة كل إنسان.
على مَن يجب الحج؟
يذكر العلماء شروط الوجوب: أن يكون المرء مسلمًا، بالغًا، عاقلًا، مستطيعًا – صحةً ومالًا، مع أمن الطريق، ودون أن يترك أهله في حاجة أثناء غيابه. وتُقدَّم الديون والواجبات تجاه الأسرة. ومن توافرت فيه هذه الشروط فلا ينبغي له عند كثير من العلماء أن يؤخّر الحج بلا عذر.
ومن التفاصيل:
- الصغار: حجّ الصبي صحيح ويُؤجر عليه. فقد رفعت امرأة صبيًّا لها في الحج وسألت: ألهذا حج؟ فقال النبي ﷺ: «نعم، ولكِ أجر» (مسلم). لكن فريضة الحج تبقى عليه إذا بلغ.
- المرأة: للمرأة أحكام إضافية في الرفقة. فالحنفية والحنابلة يشترطون في الأصل وجود المَحرم، أي الزوج أو قريب من محارمها. ويجيز المالكية والشافعية للمرأة أن تؤدّي حجة الفريضة مع رفقة مأمونة. وفي المذهب الجعفري كذلك لا يُشترط المحرم إذا أمنت على نفسها. وقد تغيّرت الأنظمة السعودية أيضًا في السنوات الأخيرة؛ فتحقّق من القواعد المعمول بها حاليًّا.
- النيابة: سألت امرأة من خثعم النبيَّ ﷺ: هل تحجّ عن أبيها الشيخ الكبير الذي لا يثبت على الراحلة؟ فأجابها بنعم (البخاري ومسلم). ولذلك يجوز عند كثير من العلماء لمن عجز عجزًا دائمًا عن السفر وكان ذا مال أن يُنيب غيره ليحجّ عنه، ويجوز كذلك الحج عن الميت. ويشترط كثير من العلماء أن يكون النائب قد حجّ عن نفسه حجة الفريضة.
- التصريح: يحتاج كل حاج اليوم إلى تصريح حج رسمي من السلطات السعودية. والحج بلا تصريح ممنوع وخطِر، وقد حذّر منه علماء في المملكة صراحةً.
أنواع الحج الثلاثة
- التمتّع: تؤدّي في أشهر الحج عمرةً أولًا، ثم تتحلّل من الإحرام، ثم تُحرم مجددًا يوم الثامن من ذي الحجة للحج. ويجب فيه الهدي، فمن لم يجد صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع البقرة 2:196. ويختار هذا النوع كثير من الحجاج، ولا سيما القادمون من خارج البلاد.
- القِران: تُجمع العمرة والحج بإحرام واحد دون تحلّل بينهما. ويجب فيه الهدي أيضًا.
- الإفراد: تُحرم بالحج وحده، ولا يجب فيه هدي.
و«الأشهر المعلومات» للحج البقرة 2:197 هي شوال وذو القعدة، والعشر الأوائل من ذي الحجة عند أكثر العلماء، وذو الحجة كله عند آخرين.
وللمذاهب الفقهية آراء مختلفة في أيّها أفضل: فالحنفية يفضّلون القِران، والمالكية والشافعية الإفراد، والحنابلة التمتّع. وفي المذهب الجعفري يتعيّن التمتّع على من كان بعيدًا عن مكة، والقِران والإفراد لأهل مكة وما حولها. والأنواع الثلاثة كلها صحيحة.
الميقات والإحرام
من سافر للحج أو العمرة دخل في حالة الإحرام عند حدّ معلوم يُسمّى الميقات. وقد وقّت النبي ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم (البخاري ومسلم)، وأُضيفت ذات عِرق لأهل العراق. ومن جاء بالطائرة أحرم قبل أن يحاذي الميقات. ويلبس كثيرون ملابس الإحرام في البيت أو في المطار، ثم ينوون قُبيل الميقات حين ينبّههم طاقم الطائرة أو مجموعتهم. ومن سافر من الإمارات إلى جدة جاوز خط الميقات قبل الهبوط، وجدة نفسها داخل المواقيت على القول الشائع.
وهكذا تدخل في الإحرام:
- التطهّر: يُستحبّ الغسل، وتقليم الأظفار والأخذ من الشعر قبل ذلك. ويجوز للرجال أن يتطيّبوا في أبدانهم قبل الإحرام، لا في ثياب الإحرام.
- اللباس: يلبس الرجال ثوبين غير مخيطين: إزارًا على الوسط، ورداءً على الكتفين، مع نعلين، ويبقى الرأس مكشوفًا. وتلبس المرأة ثيابها المعتادة الساترة المحتشمة، لكن لا تنتقب ولا تلبس القفّازين (البخاري).
- النيّة: تنوي بقلبك العمرة أو الحج، وتقول مثلًا: لبّيك عمرةً أو لبّيك حجًّا.
- التلبية: ثم تبدأ بترديد ما كان النبي ﷺ يقوله (البخاري ومسلم):
لبّيك اللهم لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
ها أنا ذا مجيبًا لك يا الله، ها أنا ذا. ها أنا ذا مجيبًا لك، لا شريك لك، ها أنا ذا. إن كل الحمد والنعمة لك، والملك كذلك. لا شريك لك
ويحرم في الإحرام، من جملة أمور أخرى: الطيب، وقصّ الشعر والأظفار، والصيد المائدة 5:95، والمعاشرة الزوجية، وعقد النكاح؛ ويحرم على الرجال كذلك لبس المخيط المفصّل على هيئة البدن، وتغطية الرأس.
ما يُباح في الإحرام
كثير مما يتجنّبه الحجاج احتياطًا مباح عند أكثر العلماء: الاغتسال والاستحمام (دون صابون معطّر)، وتبديل ثياب الإحرام وغسلها، ولبس حزام أو حقيبة صغيرة للمال والأوراق، ولبس الساعة والنظارة، وتناول الدواء، وتضميد الجروح. وفي الاستظلال خلاف معروف: فالمذاهب السنية تجيز للرجال المظلة وسقف الخيمة، أما في المذهب الجعفري فلا يستظلّ الرجل المحرم بسقف أثناء السير نهارًا، ولذلك تسير قوافل الحجاج الشيعة كثيرًا في حافلات مكشوفة.
إذا وقع خطأ
من اضطرّ لمرض أو عذر آخر إلى فعل محظور، كحلق الرأس، جبره بالفدية: ﴿فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ البقرة 2:196. وقد بيّنها النبي ﷺ للصحابي كعب بن عُجرة: صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو ذبح شاة (البخاري ومسلم). ومن فعل محظورًا خطأً، أو ترك واجبًا، فليسأل قائد مجموعته أو أحد أهل العلم عمّا يجب عليه من جبران؛ والمذاهب تفرّق هنا بين العمد والنسيان والجهل.
العمرة خطوة بخطوة
يمكن أداء العمرة في ساعات قليلة، وهذه خطواتها:
- الإحرام من الميقات كما سبق وصفه، مع التلبية في الطريق إلى مكة.
- الطواف: تطوف في المسجد الحرام حول الكعبة سبعة أشواط عكس اتجاه عقارب الساعة، تبدأ من ركن الحجر الأسود وتنتهي إليه. وكلما حاذيته حيّيته – بالإشارة باليد من بعيد عند الزحام. ويشترط جمهور العلماء للطواف الطهارة (الوضوء). ويضطبع الرجال في هذا الطواف، فيجعلون وسط الرداء تحت الإبط الأيمن، ويرملون في الأشواط الثلاثة الأولى إن تيسّر، أي يسرعون الخطى مع تقارُبها. وليس للطواف ذكر محدّد، بل تدعو بما يجري على قلبك. وبين الركن اليماني والحجر الأسود يقول كثيرون: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ البقرة 2:201.
- ركعتان خلف مقام إبراهيم إن تيسّر، أو في أي مكان من المسجد عند الزحام البقرة 2:125. ثم تشرب من ماء زمزم، وقد قال النبي ﷺ عنه: «إنها مباركة، إنها طعام طُعم» (مسلم)، وقال: «ماء زمزم لما شُرب له» (ابن ماجه).
- السعي: تمشي سبعة أشواط بين جبلَي الصفا والمروة، تبدأ بالصفا وتختم بالمروة. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ البقرة 2:158. ولما دنا النبي ﷺ من الصفا قال: «أبدأ بما بدأ الله به»، فرقي عليه حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحّد الله وكبّره ودعا (مسلم 1218). ويُسرع الرجال قليلًا بين العلمين الأخضرين.
- الحلق أو التقصير: يحلق الرجال رؤوسهم أو يقصّرون الشعر من جميع الرأس، وتقصّ المرأة من خصلة من شعرها قدر أنملة. وبذلك تتمّ العمرة وينتهي الإحرام.
وفي المذهب الجعفري تشمل العمرة المفردة بعد التقصير طوافًا آخر هو طواف النساء مع ركعتيه.
والمرأة الحائض تؤدّي المناسك كلها إلا الطواف. فقد قال النبي ﷺ لعائشة رضي الله عنها حين حاضت في الحج: «افعلي ما يفعل الحاج غير ألّا تطوفي بالبيت حتى تطهري» (البخاري ومسلم).
وقال النبي ﷺ: «العمرة إلى العمرة كفّارة لما بينهما» (البخاري ومسلم). وقال: «عمرة في رمضان تعدل حجة» (البخاري ومسلم)، أي في الأجر كما بيّن العلماء، دون أن تُغني عن حجة الفريضة.
أيام الحج خطوة بخطوة
يُؤدّى الحج من الثامن إلى الثالث عشر من ذي الحجة، آخر شهور التقويم الهجري القمري. وقد قال النبي ﷺ: «لتأخذوا مناسككم» (مسلم). وهذه خطواته بحسب الوصف الشائع:
8 ذو الحجة – يوم التروية
يُحرم من لم يكن محرمًا بعد. ويتوجّه الحجاج إلى منى، مدينة الخيام خارج مكة، فيصلّون فيها صلوات اليوم كلًّا في وقتها، مع قصر الرباعية، ويبيتون فيها. والمبيت بمنى في هذا اليوم سنّة عند جمهور العلماء. ومن الآن تتردّد التلبية مرة بعد مرة.
9 ذو الحجة – يوم عرفة
هو ذروة الحج. بعد طلوع الشمس ينتقل الجميع إلى صعيد عرفة. قال النبي ﷺ: «الحج عرفة» (الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه). فمن فاته الوقوف بعرفة فاته الحج. وهناك تُجمع الظهر والعصر وتُقصران، ثم يقف الحاج بين يدي ربه حتى غروب الشمس – داعيًا، باكيًا، راجيًا. قال النبي ﷺ: «ما من يوم أكثر من أن يُعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة» (مسلم). وفي هذا اليوم نزل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ المائدة 5:3؛ البخاري ومسلم.
وقال النبي ﷺ: «وقفتُ ها هنا، وعرفةُ كلُّها موقف» (مسلم). فلا يلزم صعود جبل الرحمة، والمهمّ أن تكون داخل حدود عرفة؛ وعليها لوحات تبيّنها، وجزء من مسجد نمرة يقع خارجها. وخير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قاله النبي ﷺ والنبيون من قبله: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير (الترمذي). ووقت الوقوف عند أكثر العلماء من الزوال إلى الغروب، ومن فاته ذلك لعذر فأدرك عرفة ولو لحظة قبل فجر يوم النحر فقد أدرك الحج عند كثير منهم.
المبيت بمزدلفة
بعد غروب الشمس ينفر الحجاج بسكينة إلى مزدلفة، فيصلّون فيها المغرب والعشاء جمعًا. ويبيتون الليلة تحت السماء المكشوفة يذكرون الله عند المشعر الحرام البقرة 2:198، ويلتقطون حصيات صغيرة للرمي. وقد صلّى النبي ﷺ الفجر بها مبكّرًا، ثم وقف عند المشعر الحرام يذكر الله حتى أسفر جدًّا، ثم دفع قبل طلوع الشمس (مسلم 1218). ويجوز عند كثير من العلماء للضعفة وكبار السن والنساء ومعهن الأطفال أن يدفعوا بعد منتصف الليل. ويختلف الفقهاء في القدر الواجب من المكث بها، وفي المذهب الجعفري يُعدّ الوقوف بالمشعر ما بين الفجر وطلوع الشمس ركنًا.
والحصيات صغيرة، أكبر قليلًا من حبة الحمّص، ويجوز التقاطها من منى أيضًا. ومن تعجّل بعد اليوم الثاني عشر احتاج إلى 49 حصاة في المجموع، ومن بقي إلى الثالث عشر احتاج إلى 70.
10 ذو الحجة – يوم النحر
هو للعالم عيد الأضحى، وللحجاج أكثر الأيام أعمالًا:
- رمي الجمرة الكبرى (جمرة العقبة) في منى بسبع حصيات، يكبّر مع كل حصاة: الله أكبر. ومع أول حصاة تنقطع التلبية عند كثير من العلماء.
- الهدي للمتمتّع والقارن، ويُرتَّب اليوم في الغالب عبر قسائم رسمية. وقال النبي ﷺ: «نحرتُ ها هنا، ومنى كلُّها منحر» (مسلم).
- الحلق أو التقصير؛ وقد دعا النبي ﷺ للمحلّقين بالرحمة ثلاثًا وللمقصّرين مرة (البخاري ومسلم)، والمرأة تقصّر فقط. وبه يحلّ أكثر محظورات الإحرام، إلا المعاشرة الزوجية.
- طواف الإفاضة في مكة – وهو ركن من أركان الحج – ثم السعي إن لم يكن قد سعى من قبل. وبعد ذلك يحلّ الإحرام كله.
وترتيب هذه الأعمال سنّة عند كثير من العلماء، فقد كان النبي ﷺ يقول يوم النحر لكل من قدّم شيئًا أو أخّره: «افعل ولا حرج» (البخاري ومسلم). أما الحنفية والمذهب الجعفري فيوجبون ترتيبًا معيّنًا في بعض هذه الأعمال. وفي المذهب الجعفري يأتي بعد الطواف والسعي طواف النساء كذلك.
11 إلى 13 ذو الحجة – أيام التشريق
يبقى الحجاج في منى، ويرمون كل يوم بعد الزوال الجمرات الثلاث – الصغرى والوسطى والكبرى – كل واحدة بسبع حصيات. وبعد الصغرى والوسطى يقف الحاج ويدعو. ومن تعجّل جاز له أن ينفر بعد اليوم الثاني عشر: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ البقرة 2:203.
والمبيت بمنى في هذه الليالي واجب عند أكثر المذاهب، وسنّة عند الحنفية. وقد سمّاها النبي ﷺ «أيام أكل وشرب وذكر لله» (مسلم). ويجوز عند العلماء للمريض والكبير والضعيف أن يوكّل من يرمي عنه. واتّبع في أوقات الرمي جداول مجموعتك، فهي موضوعة لتخفيف الزحام عند الجمرات.
طواف الوداع
قبل مغادرة مكة تطوف بالكعبة مرة أخيرة: طواف الوداع. قال ابن عباس رضي الله عنهما: «أُمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خُفّف عن الحائض» (البخاري ومسلم). وهو واجب عند أكثر العلماء، ومستحبّ عند المالكية وفي المذهب الجعفري.
يوم عرفة لمن بقي في بيته
لا يستطيع كل أحد أن يحجّ هذا العام، لكن أيام الحج للأمة كلها.
- العشر الأوائل: أخبر النبي ﷺ أنه ما من أيام العملُ الصالح فيها أفضل من هذه الأيام العشر من ذي الحجة (البخاري). ويحمل كثير من المفسّرين قوله تعالى: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ الفجر 89:2 عليها.
- صيام يوم عرفة: قال النبي ﷺ في صيام التاسع من ذي الحجة: «أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله والسنة التي بعده» (مسلم 1162). أما الحجاج بعرفة فلا يُشرع لهم صيامه، فهم يحتاجون قوّتهم للدعاء. وفي المذهب الجعفري كذلك يُستحبّ صيامه ما لم يُضعف عن الدعاء.
- الدعاء والذكر: خصّص وقتًا بعد العصر، كما يقف الحجاج بعرفة. ردّد: لا إله إلا الله وحده لا شريك له …، وادعُ لنفسك ولأهلك وللمحتاجين. وفي التراث الشيعي يقرأ كثيرون في هذا اليوم دعاء عرفة المشهور المنسوب إلى الإمام الحسين عليه السلام.
- التكبير: يكبّر كثير من المسلمين عقب الصلوات من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر ولله الحمد. وللعلماء في بدايته ونهايته وصيغته أقوال.
- الأضحية: من أراد أن يضحّي أمسك، بحسب رواية عند مسلم، عن شعره وأظفاره من أول ذي الحجة حتى يذبح، والمذاهب تختلف في درجة هذا الحكم. وتختلف كذلك في حكم الأضحية للقادر: فالحنفية يرونها واجبة، والجمهور سنّة مؤكدة.
ويمكنك أن تقرأ المزيد عن العيد في فصل الأيام المهمة في العام الهجري.
زيارة المدينة المنورة
يسافر كثير من الحجاج قبل الحج أو بعده إلى المدينة المنورة ليصلّوا في مسجد النبي ﷺ ويسلّموا عليه. وهذا مستحبّ استحبابًا كبيرًا، لكنه ليس من مناسك الحج. قال النبي ﷺ: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» (البخاري ومسلم).
وفي المسجد، بين بيت النبي ﷺ ومنبره، تقع الروضة الشريفة. وقد قال ﷺ: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة» (البخاري ومسلم). وبسبب الزحام الكبير تُنظَّم زيارة الروضة حاليًّا بمواعيد محدّدة وتصريح من السلطات السعودية. ويسلّم كثير من الزائرين على النبي ﷺ عند قبره، ثم على صاحبيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما المدفونين إلى جواره.
ومن الأماكن الأخرى في المدينة:
- مسجد قباء، أول مسجد في الإسلام. كان النبي ﷺ يأتيه بانتظام (البخاري ومسلم)، وأخبر أن الصلاة فيه كعمرة (النسائي وابن ماجه).
- البقيع، مقبرة المدينة، وفيه يرقد كثير من الصحابة ومن آل بيت النبي ﷺ، ومنهم بحسب الروايات أربعة من أئمة أهل البيت. ويزوره الحجاج السنة والشيعة على السواء.
- جبل أُحد، وعند سفحه دُفن حمزة عمّ النبي ﷺ وشهداء غزوة أُحد.
ويمكنك أن تتعرّف إلى المدينتين المقدستين أكثر في فصل أهم مدن الإسلام.
الاستعداد والصحة
قبل السفر
- تعلّم قبل السفر: اقرأ المناسك بهدوء في بيتك، واحضر دورات التهيئة. فإذا عرفت ما ينتظرك، استطعت هناك أن تُقبل بقلبك.
- حقوق الآخرين: قبل السفر استسمح الناس، واقضِ الديون، ورتّب شؤونك. ويكتب كثيرون وصيّتهم قبل الرحيل.
- أعدّ أدعيتك: اكتب ما تريد أن تدعو به – لنفسك، ولأهلك، ولمن رحلوا، وللأمة كلها. وتجد أفكارًا لذلك في الأدعية لدينا.
- هيّئ جسدك: في بعض أيام الحج يمشي الحاج كيلومترات كثيرة. فتعوّد في الأسابيع السابقة المشي الطويل، واعتد على نعليك قبل السفر.
الصحة
- استشارة الطبيب: راجع الطبيب في وقت مبكر، وخذ اللقاحات المطلوبة؛ فالمملكة العربية السعودية تشترط من بينها التطعيم ضد التهاب السحايا. وتعرف القائمة الحالية من الجهات الرسمية ومن متعهّدك. ومن كان مصابًا بمرض مزمن فليتشاور في رحلته بعناية خاصة.
- الأدوية: خذ أدويتك في عبواتها الأصلية، مع نسخة من الوصفة الطبية وملخّص قصير عن حالتك الصحية.
- الحرّ: اشرب الكثير من الماء ولو لم تشعر بالعطش، وتجنّب شمس الظهيرة ما استطعت، واستعمل المظلة. فضربة الشمس والجفاف من أكثر المشكلات الصحية شيوعًا في الحج.
- القدمان والجلد: البثور والتسلّخات شائعة، وتنفع فيها اللصقات الطبية والكريمات غير المعطّرة والنعال المريحة التي اعتدت عليها.
- العدوى: حيث يجتمع الملايين متقاربين تنتشر نزلات البرد بسرعة. فغسل اليدين، والكمامة عند الحاجة، يحميانك ويحميان غيرك.
- للنساء: من خشيت أن يوافق حيضها أيام الحج فلها أن تستشير طبيبة في الخيارات المتاحة؛ ويجيز كثير من العلماء استعمال ما يؤخّر الحيض إذا كان مأمونًا صحيًّا.
قائمة الأمتعة (مختارات)
- للرجال طقمان من ثياب الإحرام، وحزام بجيب
- صابون وواقٍ من الشمس ومزيل عرق، كلها غير معطّرة
- نعلان مريحتان، وسجادة صلاة خفيفة، وكيس صغير للحصى
- قارورة ماء قابلة لإعادة التعبئة، ومظلة، وشاحن للهاتف
- نسخ من جواز السفر والتأشيرة والتصريح، وأرقام الطوارئ الخاصة بمجموعتك
في المشاعر
- الصبر: ملايين البشر، وحرّ، وانتظار – الحج يختبر صبرك. والكلمة الطيبة والابتسامة من الحج المبرور.
- ابقَ مع مجموعتك: احمل سوارك أو بطاقتك ببيانات مجموعتك، واتّفق على نقاط للالتقاء، والتزم بالجداول، ولا سيما في الرمي.
- أعِن غيرك: كثير من الحجاج كبار في السن أو مرضى أو يحجّون لأول مرة. فكوب ماء، أو طريق تدلّ عليه، أو مكان تُفسحه لغيرك – كل ذلك من الحج أيضًا.
ملاحظة مهمة: التفاصيل تختلف بين المذاهب الفقهية، وهذه الصفحة تقدّم نظرة عامة. وفي المشاعر اتّبع قائد مجموعة مؤهّلًا أو عالمًا تثق به، واسأل كلما ساورك شك.
الحج من دولة الإمارات العربية المتحدة
يتقدّم المقيمون في الإمارات للحج عبر التسجيل الرسمي لدى الجهة الإماراتية المختصة، ويسافرون مع متعهّد حج مرخّص. والمقاعد محدودة وتُوزَّع وفق معايير ثابتة، وتكون الأولوية في الغالب لمن لم يحجّ من قبل. أما إمكان تسجيل المقيمين من غير المواطنين، أو سفرهم عن طريق بلدانهم الأصلية، فيُعرف من الجهات الرسمية.
وتسير الخطوات في مجملها على هذا النحو:
- التسجيل خلال فترة التسجيل الرسمية، وغالبًا ما يكون إلكترونيًّا لدى الجهة المختصة.
- انتظار التأكيد – إذ تُوزَّع المقاعد وفق المعايير المعتمدة.
- اختيار المتعهّد من بين المتعهّدين المرخّصين وإبرام العقد.
- تقديم الشهادات الصحية واللقاحات كما هو مطلوب.
- الاستعداد – إذ يقدّم كثير من المتعهّدين والمساجد دورات تُتدرَّب فيها المناسك خطوة بخطوة.
ولا تحجز أبدًا لدى جهات غير مرخّصة، ولا تعتمد على عروض مواقع التواصل الاجتماعي، وتحقّق من المواعيد والمتطلبات الحالية مباشرة لدى الجهات الرسمية. أما العمرة فلها أحكام خاصة أيسر، وتؤدّيها أسر كثيرة من الإمارات على مدار العام، ولا سيما في رمضان. وهنا أيضًا يحسن التحقّق من قواعد التأشيرة والتصاريح المعمول بها.
بعد الحج
يقول العلماء إن من علامات الحج المبرور أن يرجع المرء خيرًا مما كان: ألطف، وأصدق، وأحفظ لصلاته. فالحج لا ينتهي في المطار، بل يبدأ هناك من جديد – في الحياة اليومية، وفي الأسرة، وفي العمل. ولست تحتاج إلى لقب لتكون حاجًّا؛ بل إلى قلب يتذكّر عرفة.
نسأل الله أن ييسّر الطريق لكل من يشتاق إلى بيته، وأن يتقبّل حجّ كل حاج.
الأسئلة الشائعة
ما الفرق بين الحج والعمرة؟
الحج لا يكون إلا في أيام معلومة من شهر ذي الحجة، ويشمل عرفة ومزدلفة ومنى، وهو فريضة مرة في العمر على كل من استطاع. أما العمرة فتتكوّن من الإحرام والطواف والسعي والحلق أو التقصير، وتجوز في أي وقت من السنة.
ما أهم أعمال الحج؟
الوقوف بعرفة في التاسع من ذي الحجة. قال النبي ﷺ: «الحج عرفة» (الترمذي وغيره).
هل يجوز للمرأة أن تلبس ثيابها المعتادة في الإحرام؟
نعم. تلبس المرأة ثيابها المعتادة الساترة المحتشمة بأي لون، ولا تنتقب ولا تلبس القفّازين في الإحرام (البخاري).
هل زيارة المدينة المنورة جزء من الحج؟
لا. هي مستحبّة استحبابًا كبيرًا، ويحبّ جلّ الحجاج أن يصلّوا في مسجد النبي ﷺ، لكن الحج يتمّ دون هذه الزيارة.
ماذا أفعل يوم عرفة إن لم أكن حاجًّا؟
صُمْه إن استطعت، فقد قال النبي ﷺ إنه يكفّر السنة التي قبله والسنة التي بعده (مسلم 1162)، وأكثر من الدعاء والذكر، ولا سيما بعد العصر، واغتنم بالأعمال الصالحة العشر الأوائل من ذي الحجة.
كيف أسجّل للحج في الإمارات؟
عبر التسجيل الرسمي لدى الجهة الإماراتية المختصة ومع متعهّد حج مرخّص. تحقّق هناك من المواعيد والمتطلبات الحالية، ولا تحجز أبدًا لدى جهات غير مرخّصة.
المصادر
- القرآن الكريم 2:125–127، 2:158، 2:196–198، 2:201، 2:203، 3:96–97، 5:3، 5:95، 22:27، 22:37، 89:2
- صحيح البخاري وصحيح مسلم – أركان الإسلام الخمسة؛ التلبية؛ المواقيت؛ فضل الحج والعمرة؛ العمرة في رمضان؛ عُمَر النبي ﷺ؛ النيابة في الحج (المرأة الخثعمية)؛ الفدية (كعب بن عجرة)؛ حيض عائشة في الحج؛ «افعل ولا حرج»؛ الدعاء للمحلّقين؛ طواف الوداع؛ الصلاة في مسجد النبي ﷺ؛ الروضة؛ قباء
- صحيح مسلم 1218 – وصف جابر لحجة النبي ﷺ (الصفا، عرفة، مزدلفة، خطبة الوداع)
- صحيح مسلم – الحج مرة في العمر؛ «لتأخذوا مناسككم»؛ يوم عرفة؛ زمزم؛ حج الصبي؛ «عرفة كلها موقف» و«منى كلها منحر»؛ أيام التشريق؛ الإمساك عن الشعر والأظفار لمن أراد الأضحية؛ صحيح مسلم 1162 – صيام يوم عرفة
- صحيح البخاري – هاجر وعين زمزم؛ لباس المرأة في الإحرام؛ فضل العشر الأوائل من ذي الحجة
- سنن الترمذي وأبي داود والنسائي وابن ماجه – «الحج عرفة»؛ الترمذي – خير الدعاء دعاء يوم عرفة؛ النسائي وابن ماجه – الصلاة في قباء؛ ابن ماجه – «ماء زمزم لما شرب له»؛ مسند أحمد – «لا فضل لعربي على أعجمي …»
- الغزالي، إحياء علوم الدين – أسرار الحج؛ مؤلفات المذاهب السنية والمذهب الجعفري في المناسك
تقدّم هذه الصفحات نظرة عامة. وللأسئلة الشرعية في حياتك اليومية، يُرجى سؤال عالم مؤهل من مذهبك.